الضلع الثالث والمثلث الإبداعي

صلاح طافش

ليس إلا من باب التذكير بالشيء ، والتأكيد ، وقد يكون من باب التفاخر , نقول: لقد حقق الفنان الفلسطيني في الشتات والوطن , وجوداً فنياً وقدرةً إبداعية مكّنته من إثبات وجوده , متساوياً – بل أحياناً متجاوزاً – الكثير من الفنانين المسرحيين المحترفين في العالم العربي .

فقد أنجب الشعب الفلسطيني العديد من المواهب المبدعة في كافة مجالات الفن المسرحي: إخراجاً , تمثيلاً , كتابةً , موسيقى وغيرها .

والكثير من هذه المواهب احترف الفن المسرحي وربط مصيره بالمسرح وهمومه .... وهذا ليس صدفةً أو نبتاً صحراوياً لا أساس له , بل امتداداً طبيعياً ومنطقياً لبعد تراثي لحراك مسرحي تاريخي صنعه الشعب الفلسطيني عبر مراحل متتالية بتجارب متراكمة منذ أواخر القرن التاسع عشرـ ـ والتاريخ معروف للجميع بكل تأكيد .

وبنظرة مسحية سريعة لتاريخ النشاط المسرحي الفلسطيني نجد أننا أصحاب تجارب مسرحية عديدة , ونشاطات تقدّر وتحترم على مستوى أفراد أو فرق ومؤسسات عملت في الداخل والخارج الفلسطيني , وذُكرنا بقوّة في مهرجانات عربية ودولية ومحافل فنية عالية , ولكن يبقى السؤال الكبير والمهم بارزاً ينتظر الإجابة والتحليل سلباً أو إيجاباً:

هل هناك مسرح فلسطيني ذو سمات وملامح وهوية خاصة به؟

هل هناك مسرح مؤهّل وقادر على المنافسة والاستمرارية؟

    لنخصّص الحديث عن المسرح في قطاع غزة الذي عرف النشاط المسرحي منذ أواخر خمسينيّات القرن الماضي... هل بالإمكان القول أننا نملك حركة مسرحية بالمفهوم الفني والعلمي للكلمة ، رغم كل هذه النشاطات والمحاولات والكم من العروض المسرحية في قطاع غزة ؟؟

إذا اتفقنا – وأعتقد أننا متفوقون – على أن حركة مسرحية تعني : نشاطاً مسرحياً إبداعياً مستمراً متطوراً وحركة إنتاج , تعني وجود محترف مسرح وخشبات مسرح مجهّزة , وجمهور يسعى للمسرح ويبحث عنه , كما تعني وجود حركة نقدية مسرحية واعية بأمور المسرح ونظريات المسرح وإعلام فني يساند ويدعم ويشجّع الفن المسرحي ويشاركه رسالته و أهدافه , كذلك علاقات وتبادل خبرات مسرحية مع العالم في الاتجاهين ..

انطلاقا من هذه البديهيات , وبموضوعية , نكتشف أننا في القرن الواحد والعشرين لا نمتلك حركة مسرحية ولا هوية مسرحية خاصة , ولا مسرحاً قادراً على احتضان المواهب والأخذ بيدها هوايةً أو احترافاً .. وكل ما نملك , ما هو إلّا مجموعة نشاطات ومحاولات فردية ومجموعة أفراد متسلحين بالموهبة المسرحية وصدق الانتماء للفن المسرحي .

حقيقةً , الحديث عن العقبات والتحديات التي تواجه تفعيل حركة مسرحية جادة نشطة منافسة ومناظرة لأي دولة, حديث اُستهلك كثيراً وأثير في العشرات من اللقاءات والأحاديث : كسلبية المؤسسة الرسمية تجاه المسرح, وجمود اتحاد الفنانين , وعدم وجود بنية تحتية مناسبة للفن المسرحي ، وقلة الأكاديميين المسرحيين وندرة العنصر النسائي و و و و و

و خمول وتقصير الآلة الإعلامية تجاه المسرح , وعدم اهتمام المثقفين والكتاب بالمسرح بالكتابة والنقد والتشجيع والتصويب والتوجيه. وهذا هو بيت قصيدتي .

فالإبداع عموماً صرح مثلث، أضلاعه متممة لبعضها البعض , وفقدان احدهم يفقد الإبداع قيمته ويخل برسالته وأهدافه: احد الأضلاع هو خلق الفنان نفسه , والثاني هو الجمهور الملتقى , أما الثالث فهو الوسيط بينهما : إنه الإعلامي والناقد ، يوجّه ، يحلّل ويفسر ويضيف بما يحتمل نسيج العمل الفني , فيوسع دائرة التذوق .

فالناقد( كما قال د. محمد زكي عشماوي في كتابه دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن) ليس مجرد مستمتع بالأثر الفني أو ناقل للإحساسات التي يشعر بها. إنما هو يعطي أسباباً معقولةً للاستمتاع . فالنقد هو إثراء للعمل , هو أغناء لمتعة التذوق.

كيف نكتب عن المسرح وللمسرح دون أن نكون على صلة وثيقة بالدراما المسرحية؟ بنائها وشخوصها وحرفياتها وأدوات التجسيد فيها من تمثيل وإخراج وديكور وموسيقى وماكياج وإضاءة وأزياء وإكسسوارات ومؤثرات صوتية .

للإعلامي الفني والناقد إسهام كبير في تثقيف الجمهور وتنويره ورفع درجة التذوق والحس الفني عنده .. وهو مساعد رئيسي في تقدم الفن المسرحي . انه ليس مجرد بائع معلومات , بل أن له دوراً أهم واخطر . وفن بلا نقاد مهدد بمزيد من الأخطاء دائماً كما قال بتر بروك في كتاب المساحة الفارغة .

لن نبالغ لو اعتبرنا أن دور الإعلامي والناقد هو اشد خطورة من دور الفنان نفسه في العملية الإبداعية , فهو قاضي وموجه وعليه أن يعرف القانون , عليه أن يوفر المناخ الصالح للمسرح لينمو نماءً مثمراً على أسس وأصول علمية , انه جزء أساس من الكل.

مع كل الاحترام والتقدير للمجهودات الإعلامية التي تبذل وتواكب النشاط المسرحي لكنها غير كافية ، ولا ترتقي لمستوى البناء والتنمية والتطوير الفني , وفي أحيان كثيرة تكون كالسكين التي تجرح وتذبح على صعيد الفنان والجمهور على حد سواء مع التأكيد على سلامة النية في استخدامها وصدق التوجه .

جميل أن يعمل الإعلام على إرضاء الفنان المسرحي وتشجيعه , لكنه للأسف لا يرتقي لمستوى الدعم والتوجيه والتقييم الموضوعي لتعزيز ايجابياته وتطويرها والحد من سلبياته .

كل الدلائل تشير إلى هشاشة هذا العماد المهم من أعمدة العملية الفنية في قطاع غزة ألا وهو الإعلام الفني ــ إلى تقصيره في حق الحركة المسرحية. في مسؤوليته التوثيقية وفي الأرشفة والتأريخ وإلا كيف نراكم التجربة ونثريها وبالتالي نطورها .

وعلى النقد الموضوعي البنّاء مسؤولية تنقية الوسط المسرحي من الشوائب ودحرها , ودعم وتشجيع المواهب والمبدعين الحقيقيين لتدور عجلة الحركة في الاتجاه الصحيح .

لا أزعم أني أقدم دراسة وافية لواقع الحركة المسرحية وطموحنا ، بل أزعم أنها محاولة لإثارة هذه المسألة تاركاً ذلك لكل مهتم ومعني وغيور على المسرح والحركة المسرحية الفلسطينية ـ وللمناسبة : ما ينطبق على المسرح ينطبق على باقي أنواع الإبداع في قطاع غزة من سينما وموسيقى وفن تشكيلي وغيرها ـ ولا أدل على ذلك من تلك النقاشات والآراء التي نسمعها أو نقرأها بعد كل عرض مسرحي أو سينمائي على وجه الخصوص ، آراء خالية من أي موضوعية فنية علمية مقنعة أو بنّاءة ، وللأسف الشديد من الطبقة المحسوبة على المثقفين والكتاب والعاملين في الحقل الفني .

خلاصة القول ، لا يمكن تسمية الشكل الهندسي مثلثاً إلّا باكتمال وجود أضلاع ثلاثة ملتقية برؤوس ثلاثة تسمى زوايا .

خلق فنان ـ نقد ـ جمهور : هذا هو مثلث الإبداع والحركة الفنية ، وبدون أحدهم لا إبداع ولا حركة ولا حراك .





[ للخلف ]