لؤلؤة شتانبيك تفقد بريقها في غزة – حسين الأسمر

في ليلتي الأربعاء والخميس 12/13/5 /2010م قدمت جمعية بسمة للثقافة والفنون على مسرح عسقلان في مركز المسحال للثقافة والعلوم في مدينة غزة مسرحية اللؤلؤة وهي مأخوذة عن رواية الكاتب الأمريكي المبدع جون شتاينبك التي تحمل نفس العنوان
قام بإعدادها ( خالد خماش ) وأخرجها ( ناهض حنونة)
فهل نجحت بسمة ؟ ونجح المعد ؟
وحتى نتعرف على ذلك كان لابد لنا أن نتعرض بإيجاز عن فكرة الرواية ومضمونها وكيفية معالجتها مسرحياً، ثم نتناول عناصر العرض المسرحي
نص الرواية :
اللؤلؤة واحدة من الروايات الرائعة التي كتبها (جون شتاينبك ) وهو واحد من أشهر الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين وتتمحور حكاية اللؤلؤة حول صياد يدعى (كينو ) وزوجته (جوانا ) وطفلهما الرضيع ( كويوتيتو )، وهم من الهنود الحمر الفقراء المعدمين الذين يعيشون عند أطراف بلدة صغيرة في المكسيك ، وبالكاد يحصلون على قوت يومهم من الأسماك الصغيرة التي يصطادونها .
وقد كان كينو وجيرانه من الصيادين الذين توارثوا عن أجدادهم مهنة صيد اللآلئ .
وذات صباح يوم مشرق ، جلس كينو وزوجته يتناولان طعام الإفطار وفجأة تحولت أنظارهما نحو صندوق صغير يرقد فيه مولودهما وقد تملكتهما حالة من الهلع والدهشة إذ شاهدا عقرباً تزحف فوق غطاء الطفل وفي لمح البصر ينهض كينو مسرعاً نحو الصندوق ليدرء الشر عن ابنه إلا أن العقرب قد سبقته فتلدغ الطفل من كتفه فما كان من جوانا إلا أن تهرول مسرعة نحو طفلها فتمسكه بين ذراعيها وتأخذ في امتصاص السم من الثغرة التي أحدثتها اللدغة فيما يصرخ الطفل من شدة الألم ، ومن ثم يتجمهر الجيران وقد شعروا بالمأساة التي تحدق بالطفل ، فتطلب جوانا من زوجها سرعة اصطحابه إلى الطبيب وهو من الجنس الأبيض الذين ينظرون إلى الفقراء السود نظرة تعال واحتقار ، فيرفض الطبيب معالجة الطفل بحجة أن كينو لا يملك ثمن العلاج اللازم فيصاب كينو وزوجته ومن معهما من الجيران بخيبة الأمل والحزن يعتصر قلوبهم فيعودوا أدراجهم إلى منطقة أكواخهم المصنوعة من الأعشاب وأغصان الشجر والتي يقيمون فيها فتلاحظ جوانا أن الأورام قد أخذت تزحف على رقبة الطفل وتحت أذنيه وقد انتفخ وجهه ، وبطريقة تلقائية أخذت جوانا تجمع بعض الطحالب لتصنع منها لبخة تغطي بها هذه الأورام وهي تتوسل إلى الله - عز وجل – أن يشفي وليدها ، وتذكرت النغمات التي يرددها الهنود الصيادون لتحقيق أمنياتهم الطيبة وأمل العثور على لؤلؤة العالم التي تبعد عنهم شبح الجوع ، ومن الغريب أن صدى هذه الأنغام كان يتردد في أعماق كينو متمنياً أن يحصل على لؤلؤة العالم باعتبارها الأمل الوحيد الذي يمكن إنقاذ الطفل المسكين ، وعلى حين غرة يبتسم الحظ لكينو إذ عثر على اللؤلؤة المطلوبة وإذ هي كبيرة براقة بحجم بيضة طائر النورس وينتشر هذا الخبر في جميع أرجاء الأكواخ والمدينة فيتوافد على كينو وفود من الناس منهم التجار والشحاذون ورجال الدين ، فيكون أول الواصلين قسيس الكنيسة ليبارك لكينو على عطية الله ويطلب منه التبرع لتدعيم الكنيسة ، ويسأل القسيس كينو عما يمكن أن يفعل بتلك الثروة فيجيبه : سندفع تكاليف مراسم زواجنا الديني في الكنيسة ، وسنجري مراسم التعميد لابننا كويوتيتو بعد أن يشفى من لدغة العقرب .
ثم يحضر الطبيب ومعه خادمه الهندي العجوز ليسأل عن حال الطفل الملدوغ فيجيبه كينو – بلغة جافة – بأن الطفل في طريقه إلى الشفاء وليس في حاجة إلى طبيب ، إلا أن الطبيب يسخر من إجابة كينو مؤكدا له أن الهدوء الذي يلاحظه كينو على طفله إنما هو هدوء يسبق الموت إن لم يتلق الدواء اللازم وقد أرسلته العناية السماوية لكي ينقذه وتحت تأثير القلق والخوف على ابنه يرضخ كينو لإرادة الطبيب ويوافق على إجراء اللازم لطفله .. فيقوم الطبيب بفحص الطفل وإعطائه الدواء المناسب مطمئناً (كينو وجوانا ) سيتخلص كويوتيتو من جميع السموم وبقاياها ولن يبقى سوى أثر الجرح الذي أحدثته اللدغة وسيزول مع مضي الوقت ، ثم يطلب الطبيب من كينو ثمن فاتورة العلاج فيعده كينو بأنه سيدفع له الأجر الذي يطلبه بعد بيع اللؤلؤة .
وتتوال حوادث الرواية لتنبئ عن الشر الذي أخذ يزحف على كينو وزوجته ليقض مضجعهما وينغص عليهما حياتهما فيتعرضان لكثير من المضايقات ، والاعتداءات من قبل اللصوص محاولين انتزاع اللؤلؤة منهما ولما شعرت جوانا بأن اللؤلؤة قد أخذت تعصف بسلام الأسرة وهدوئها فشكلت خطراً فادحاً على حياتهما تطلب من زوجها التخلص منها .. فأخذ كينو يهدئ من روعها وقلقها ويمنيها بالأحلام الطيبة بعد بيع اللؤلؤة حينئذ سيذهب كويوتيتو إلى المدرسة وسيتعلم القراءة والكتابة .
يذهب كينو إلى المدينة لبيع اللؤلؤة .. وهناك وجد التجار الذين يتحكم فيهم تاجر كبير ، يدفعون ثمناً بخساً للؤلؤته لا يزيد عن ألف بيزو - وهي في الحقيقة تساوي خمسين ألف بيزو – وأخذ التجار يقنعون كينو بأن اللؤلؤة لا قيمة لها ويمكن اعتبارها مجرد تحفة نادرة ومن الصعب أن يقدم أحد على شرائها فتنتاب كينو موجة من الغضب الشديد حيث لم يفلح ببيع اللؤلؤة بسبب جشع التجار ومكرهم وتآمرهم وغشهم وخداعهم .
وتضطرد الحوادث وتتصاعد حين بدأت أصداء أغنية الشر تردد في أعماق كل من كينو وجوانا ، فما كان من جوانا إلا أن تخرج اللؤلؤة من مخبئها وقد قررت أن تقذف بها في عرض البحر ، وفي الوقت الذي قرر كينو أن يلوذ بالفرار والهرب مع زوجته وطفله ، لكنه فوجئ أن قاربه قد تحطم وكوخه قد اشتعلت فيه النيران المتأججة ، ولم يدر في خلده أن يستخدم أحد قوارب جيرانه من الصيادين فصمم على الهرب وسط الجبال الوعرة وتنمو حوادث الرواية وتتصاعد أكثر فأكثر قبل حدوث الانفراج التدريجي للحكاية ، فيظهر ثلاثة من رجال قصاصي الأثر وهم يطاردون كينو ويتتبعون أثره باحثين عنه في الجبال وكان مع أحدهم بندقية وهو المكلف بالحراسة فما كان من كينو سوى أن يتأهب بالهجوم على الرجال والاستيلاء على البندقية إذ أصبحت المسألة لديه مسألة حياة أو موت
لأن قصاصي الأثر إذا ما وجدوهم فلن يبقوهم أحياء وسيستولون على اللؤلؤة .. وفي تلك اللحظة البائسة تصدر عن كويوتيتو صرخة طفولية بريئة على أثرها يصوب الحارس بندقيته نحو مصدر الصوت ويطلقها في ذات الوقت وينقض كينو على الحارس بجرأة وشجاعة الرجل القوي فيطعنه بسكينه الحاد الذي كان يتسلح به ويستولي على البندقية فيطلق النار على الرجلين الآخرين فيرديهما قتيلين .
وكان من الممكن أن تنتهي الحكاية عند هذا الحد ، ولكن أجيال الصيادين الفقراء الذين ظلوا يعيشون في الأكواخ العشبية كانوا يتناقلون هذه الحكاية جيلاً بعد جيل ويقولون : إن كينو وزوجته جوانا قد عادا إلى المنطقة بعد ظهر أحد الأيام ، وكانت جوانا تحمل لفافة بها جثة ابنهما الرضيع الذي قتلته الرصاصة التي أطلقها الحارس .
وتأخذ حوادث الرواية في الانفراج حين أخذ الزوجان المكلومان يسيران باتجاه البحر في صمت حزين مطبق تلاحقهما نظرات الجيران الصامتة الحزينة ، فيمسك كينو اللؤلؤة ويطوح بذراعه بكل قوته ليقذف بها في عرض البحر فتغوص إلى أعماقه .
هذه هي –باقتضاب – فكرة رواية اللؤلؤة التي نسج حولها جون شتاينبك– باقتدار – حوادثها في تسلسل منطقي رائع ومثير وقد عالج فيها مشكلة الثروة حين تهبط – فجأة – على الفقراء المعدمين فتتحول إلى لعنة تطاردهم وتسبب لهم المشاكل والأعداء وقد أراد شتاينبك من خلال معالجته هذه أن يظهر مدى النفاق الاجتماعي والظلم والجشع والفساد والتفرقة العنصرية في مجتمع ظالم قد انعدمت فيه القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية وكم كان شتاينبك عظيماً في تصوير الصراع العنصري بين السود والبيض – من جهة - والصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء – من جهة أخرى – فوفق في ذلك أيما توفيق .

الإعداد المسرحي للرواية :
لقد أقدم خالد خماش على إعداد رواية اللؤلؤة لجون شتانيبك إعداداً مسرحياً – بكل جرأة – وبذلك يكون قد سلك طريقاً وعرة وصعبة تاه بين تعرجاتها ومنحنياتها
لذلك وقع في جملة من المطبات والمزالق الفنية والفكرية مما أفقد العمل قيمته الموضوعية الدرامية .
فما هي هذه المطبات والمزالق ؟
لقد استهل خالد خماش عمله المسرحي بجملة على لسان كينو : قتلت العقرب ودهست عليه برجلي وإني لأتساءل أيهما كان أوقع وأهم وأكثر تأثيراً ؟ قتل العقرب في حد ذاته ؟ أم قلق كينو على طفله الرضيع ، والتفكير بما ينبغي فعله لإنقاذه من سم العقرب ..؟
والمشاهد الحاذق يدرك – منذ اللحظات الأولى – ضعف الإعداد المسرحي للرواية ، ومما يدل على ذلك ، الفقرة التالية وهي الفقرة التي افتتح بها المعد عمله في المشهد الأول .
كينو : قتلت العقرب ، ودهست عليه برجلي
جوانا : كينو ابني راح يموت .
كينو : لا تفقدي ثقتك بالله
جوانا : السم يسري في جسده
كينو : كويوتيتو لابد أن يعيش
جوانا : " دعاء وابتهالات "
كينو : ما العمل ؟
جوانا : اشفط السم
لو تأملنا حوار هذه الفقرة لوجدنا أن شخصية جوانا قد جاءت ضعيفة ، مستكينة ، وهي التي تتمتع – في رواية شتانبيك –بقوة حديدية ، وصلابة لا تلين في مواجهة المواقف الصعبة ومتاعب الحياة اليومية ، وتتسم برباطة الجأش ويتضح ضعف الإعداد في الجملة الأخيرة من الفقرة ( أشفط السم !! ) أيعقل بعد كل هذا الحوار وهذه الأدعية والابتهالات الدينية تفكر جوانا بامتصاص السم من جسد طفلها ..؟!
ومن هنا كانت البداية ضعيفة ،وغير موفقة لخلوها من عنصري التأثير والإقناع ، فلو كان خماش قد استهل عمله بمشهد تمهيدي يوحي لنا بحالة الهدوء التي تكتنف كلاً من كينو وزوجته جوانا في صباح يوم مشرق وهما يتناولان طعام الإفطار ، ومن ثم يأتي عنصر المفاجأة المذهلة للزوجين وقد هالهما منظر العقرب التي تقترب من فراش طفلهما الرضيع كويوتيتو فسيطر على كيانهما القلق والفزع فنرى كيف انقض كينو على العقرب – بلمح البصر – محاولاً إبعاد الخطر عن طفله ، لكنه لم يفلح إذ أن العقرب سبقته لتلدغ الطفل من كتفه فيصدر عنه صرخات الألم ، حينئذ تسرع جوانا نحو طفلها مذعورة قلقة لتمسكه بين ذراعيها وتأخذ في امتصاص السم من الثغرة التي أحدثتها اللدغة في جسده ، ومن ثم نرى كيف أخذ الجيران يتسارعون إلى مكان الحدث عند سماعهم صرخات الطفل المؤلمة وصيحات القلق التي تصدر عن كينو وجوانا خشية على ابنهما ..وشيئاً فشيئاً يتضح لنا الموقف وما حدث للطفل من خلال حوار كينو وجوانا والجيران .
فلو كان المعد قد لجأ لهذا الاستهلال لكان استهلالاً بارعاً شد انتباه المشاهدين – منذ اللحظات الأولى للعرض – ولأغنانا عن الحوار العادي ، الإخباري ، الذي جاء على ألسنة الجيران في المشهد الأول
وإذا ما تحدثنا عن النص المعد – في مجمله – لوجدناه خالٍ من عناصر البناء الدرامي ، ويبدو أن المعد لم يضعها في بؤرة اهتمامه عند محاولته إعداد رواية اللؤلؤة إعداداً درامياً ، مما يؤخذ عليه – في هذا الصدد – أنه قد أضاع الحكاية
(الحدث والحبكة الفنية) مما أفقد الحوادث تسلسلها وتتابعها المنطقي .
كما افتقر العمل إلى عنصر الصراع وهو أساس الدراما ومنه تتولد المشكلة . فلم نلحظ تصادم الاهتمامات والأفكار والأهداف بين إرادات بشرية متناقضة ومتباينة تحاول كل إرادة منها كسر وهزيمة الأخرى ، فانعدم الصراع الدرامي الذي يشكل عنصراً مهماً ومؤثراً في العمل المسرحي .
ومما لا شك فيه أن المسرحية التي تخلو من الصراع ، إنما هي – في حقيقة الأمر – مسرحية مفككة ومهلهلة لا حيوية فيها ولا حياة .
وإذا ما أنعمنا النظر في الحوار الذي لجأ إليه خماش لوجدناه حواراً ينم عن ضعف لغوي ونحوي ، ولم يكن حواراً درامياً يعبر عن مشاعر وأفكار الشخصيات ، ولم يوضح الفكرة الأساسية التي بني عليها موضوع المسرحية .
ولذلك جاء الحوار عادياً ولم يعط الوظيفة الدرامية المطلوبة .

وعن الشخصيات يمكن القول : أنها شخصيات نمطية باهتة ، لا تنمو ولا تتطور وخاصة شخصيتي كينو وجوانا وهما الشخصيتان الرئيسيتان المحوريتان اللتان تدور حولهما الحكاية ، فلم يوضح المعد أبعادهما وبواعثهما النفسية التي جعلها شتانبيك في روايته حية نابضة ، جياشة ومتدفقة مثل : القوة والصلابة ، القسوة والنبل ، الضعف والانهيار، الفرح والحزن ، الغضب والهدوء ، القلق والخوف ... الخ .
ومن الأخطاء التي وقع فيها المعد ، إلغاؤه شخصية مهمة في الرواية هي شخصية جون توماس وهو الأخ الأكبر لكينو وتنبع أهميته كون كينو يستشيره في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياته لما يتميز به من حكمة ، ومعرفة ، ورجاحة عقل ، والأمر الغريب أن المعد قد جعل كلام جون توماس – هذا الحكيم العاقل – في حواره مع أخيه كينو ، يجري على لسان جوانا أثناء حديثها مع زوجها وهي التي تفتقر إلى المعرفة ولم تنل حظاً من التعليم لما أحدث نشازاً وتناقضاً في حوارها وشخصيتها .
وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن المعد خالد خماش لم ينتبه إلى صدى الموسيقى والأنغام في رواية شتانبيك فلم يوظفها في عمله على الرغم من أن شتانبيك قد اهتم بها اهتماماً بالغاً ، وكانت حاضرة – دوما – طوال حوادث الرواية من بدايتها حتى نهايتها ، وقد لعبت دوراً مهماً في إظهار وتصوير البواعث النفسية المتعددة والمتنوعة لدى الشخوص ، كما كان لها أثر عميق في الصراع الاجتماعي والطبقي بين القوى الخيرة المتمثلة في شخصيات : كينو وجوانا ، وجون توماس وأبولونيا والصيادين والقوى الشريرة المتمثلة في شخصيات الطبيب ، والتجار، واللصوص وقصاصي الأثر فأحدثت في نفوسنا سعادة غامرة - أحيانا – وشراً مستطيراً – أحياناً أخرى – وهذا ما أراده جون شتانبيك من خلال استخدامه للموسيقى والنغمات والأغاني في روايته فوظفها توظيفاً رائعاً وجميلاً
عناصر العرض المسرحي
الإخراج :
يحتاج لمغامر جريء يمتلك أدوات المعرفة يجيد فن البناء والتكوين يعزف موسيقاه فيقود ثورة من المشاعر والوعي والمتعة
أن المخرج ناهض حنونة بإقدامه على إخراج عمل مسرحي معد عن رواية عالمية تحمل الكثير من الرموز والدلالات العميقة على المستويات الفكرية والاجتماعية والنفسية – وهو في بداية عهده للإخراج للكبار- ليعد جرأة منه وبادرة حسنة تسجل لصالحه ، وإن وقع في بعض الهفوات الفنية والموضوعية التي لا تقلل من قيمة العرض والاجتهادات الإخراجية .
وقبل أن نتناول هفوات المخرج ، لابد أن نتحدث عن حسناته ومنها : أنه قد جعل الممثلين الذين يجسدون العرض يتحركون في فراغ مسرحي مغلف بالسواد من جميع جوانبه، وخالٍ من الديكور باستثناء ستة أعمدة قد صفت بمحاذاة بعضها البعض على المستوى الثالث من المسرح ، ليوحي لنا أننا نعيش في جو مأساوي ولكن الدبابيس اللماعة في صدر المسرح الذي ثبتت عليه الستائر السوداء قد شتت – إلى حد ما – أذهان المشاهدين وكان على المخرج إخفاءها .
ومن حسنات المخرج – أيضا – أنه ابتدأ العرض بحركات تعبيرية لجوانا وهي تحمل طفلها الرضيع وتهدهده بحنان وسعادة مما يوحي بالجو النفسي الهادئ المفعم بالبشر والحبور ثم أعقب ذلك بحركات تعبيرية أخرى لمجموعة من الأشرار وهم يحاولون نهش جوانا وطفلها والنيل منها مما أعطانا مؤشراً أننا أمام مأساة وعلينا متابعة خيوطها وبهذين الموقفين المتناقضين قادنا المخرج إلى التفكير بما هو قادم حول كيفية إدارة الصراع بينهما وهذا مما يدعونا إلى متابعة العرض بانتباه وتركيز .وقد نجح المخرج في سيطرته على الممثلين وتوزيعهم في جميع مناطق خشبة المسرح – وهم يجسدون أدوارهم – دون أن يترك فراغاً لم يستخدمه .
هذه القدرات الجميلة لمخرج يحاول ، لكن يبدو مع ثرثرة من حوله أصبحت لديه ازدواجية في رؤيته الإخراجية
، فقد تعددت الرؤى لديه ، وربما يعود ذلك – فيما يبدو – إلى إصغائه لأراء آخرين واستشارة أصحاب هذه الآراء ممن لا يملكون مقومات فن الإخراج المسرحي أو من مخرجين لم يقرأوا رواية اللؤلؤة وبالتالي لم يحيطوا بفكر الكاتب ، ومضمون الرواية . مما شتت ذهنه ، فلم يتمكن من تكوين رؤيته الإخراجية الواضحة لأبعاد النص وفكره وشخوصه ، وعناصر العرض فأخدثت بذلك خللاً في التكوين البصري لحركة الممثلين ( الميزانسين) على خشبة المسرح وبالتالي فإنها لم تعط وظيفتها الدرامية كما ينبغي .
ومن سلبيات العرض أيضا يمكن القول : أن المخرج قد وقع في بعض الهفوات الإخراجية كان لها تأثير سلبي على بعض الأمور الدرامية والفكرية في العرض منها أنه قد جعل كينو بطل المسرحية عند دخول المسرح – لأول مرة ينطق بها – فرحاً وقد ارتسمت على وجهه علامات البهجة والسرور معبراً عن انتصاره على العقرب الذي لدغت طفله البريء ، حيث استطاع قتله !!
كما لو كان كينو – بذلك – قد حرر العبيد من براثن الظلم والعبودية !
وكان من المفروض على المخرج أن يظهر كينو وقد انتابته حالة من الغضب والألم والتوتر جراء لدغ العقرب في كتف كويوتيتو طفله البكر ، فقتل العقرب – في حد ذاته – أمر ثانوي – وليس مهما – لكن الأمر الجوهري والمهم هو التفكير بحال الطفل الملدوغ ، وما ينبغي أن يفعله لإنقاذه ، وهنا تكمن بداية المأساة ، وبداية الخط الدرامي .
ومن هفوات المخرج – كذلك – أنه قام بعمل غير منطقي لا يستسيغه العقل إذ جعل الممثلين ينزعون الأعمدة الإسمنتية بأيديهم – بكل سهولة – وكأن قوة خارقة تتملكهم ، فيحملونها ليتحركوا بها في مناطق خشبة المسرح فيشكلوا منها تشكيلات بسيطة غير مقنعة ، وغير معبرة مما يوحي أننا أمام عمل سريالي يكتنفه الغموض .
ومن هفواته – أيضا – أن جعل قطعة من القماش الأزرق تمتد على طول مقدمة خشبة المسرح أمام ستارة المسرح المغلقة ، ولا ندر ما هو تبرير ذلك ونفاجأ باثنين من الممثلين يشدانها من طرفيها لتتحول إلى ستارة تمثل البحر الذي لم نلحظه من قبل ، وكان من الممكن وضع قطعة القماش الزرقاء في خلفية المسرح لتشكل بانوراما ترمز إلى البحر فتكون أكثر إقناعا وأكثر تعبيراً .. أما وضعها في مقدمة الافانسين ( مقدمة المسرح ) فقد أحدثت خللاً فنيا إذ أصبحت صالة المتفرجين تنفصل تماماً عن منصة المسرح فأعطانا انطباعا أن حوادث المسرحية تدور في جزيرة ما ، وهذا ما لم يقصده المخرج ولا معد المسرحية أو بأن ثمة بركة ماء يتحرك الممثلين على سطح مائها !!
وثمة هفوة ، لا تغتفر للمخرج ، حدثت في نهاية العرض عندما جعل كينو يمسك باللؤلؤة ويطوحها بكل قوته ليقذفها في عرض البحر في الوقت الذي يعتم فيه المسرح وما أن تعود الإضاءة حتى نرى كينو ما زال محتفظا باللؤلؤة وهذا بطبيعة الحال أثر سلباً على مقولة العرض ، والمغزى الذي أراد أن يؤكده شتانبيك في روايته وهو أن الثراء الذي يهبط على الفقراء يتحول إلى لعنة تطاردهم وتحول حياتهم إلى جحيم في مجتمع ظالم قد انعدمت فيه القيم الانسانية ولهذا فإنهم يفضلون أن يبقوا فقراء في ظل حياة هادئة وسعيدة على أن يكونوا أغنياء في ظل حياة تعيسة تجلب لهم الشرور والأعداء .
التمثيل:
لوحظ على الممثلين الارتباك والتوتر في العرض الأول فلم يتقنون أدوارهم وكانوا - في أغلبهم – يمطون الكلام مطاً ويضغطون على حروف الكلمات أكثر من اللازم ولذا لم نلحظ أداء تمثيلياً مميزاً يلفت النظر بسبب ارتباكهم وهذا ما يحدث – عادة – لدى بعض الممثلين أثناء عروض الافتتاح .
أما في العرض الثاني للمسرحية بدا أداؤهم جيداً إذ أنهم عادوا إلى هدوئهم النفسي والعصبي وأن تفاوت الأداء من ممثل إلى آخر ولكن ما يؤخذ عليهم وقوعهم في كثير من الأخطاء النحوية واللغوية غيرت بعض معاني المفردات وحدت من انفعالات بعضهم
فناهض حنونة ( كينو ) قد تمثل أبعاد شخصيته بكفاءة إذ استطاع أن يتنقل بين انفعالاته وبواعثه النفسية فبدا تمثيله جيدا وكانت وقفاته المعلقة بين الجمل والعبارات موفقة وصحيحة ، إلا أن الوقفات الكاملة بعد الجمل التي يكتمل فيها المعنى ويتم فيها التنفس فلم يكن موفقاً إذ كان عندما يقف كأنه يسأل أسئلة .
أما إيناس السقا ( جوانا) فهي ممثلة جيدة نعتز بها وينبغي أن نقدرها حق قدرها لما تتميز به من حضور قوي في حركتنا المسرحية في قطاع غزة وباستطاعتها أن تلعب معظم الأدوار باقتدار .. وقد أظهرت براعة ملحوظة في أدائها لشخصية ( جوانا ) في مسرحية اللؤلؤة إلا أنها قد وقعت في أخطاء لغوية ونحوية أثرت سلبا على أدائها وانفعالاتها في بعض المواقف .
وأما خالد خماش ( خادم الطبيب ) فقد كان له حضور مميز وواضح في العرض وتمثل دوره باقتدار وان كان دورا صغيرا جدا لا يتجاوز بضع جمل إلا أنه قد أظهر تعاطفاً كبيرا ومقنعا مع كينو وزوجته وطفلهما الذي رفض الطبيب معالجته
وأما محمد شعشاعة ( القسيس ) فقد كان موفقاً في أدائه وقد استطاع أن يقنعنا بمدى النفاق الديني الذي يتمتع به القسيس وما يعيبه هو لفظ الهاء في بداية كل جملة من جمله طوال العرض .
وأما محمد أبو كويك ( الطبيب + التاجر ) فلم يكن متمكناً من إظهار التباين بين الشخصيتين وربما يرجع ذلك إلى ضيق مساحة طبقاته الصوتية وإذ كان لم يقنعنا بأداء شخصيه التاجر فإنه استطاع أن يؤدي دور الطبيب بشكل جيد وهو يظهر حقده واحتقاره لطبقة الفقراء ، ونفاقه الاجتماعي لكينو بعض حصوله على لؤلؤة العالم
وأما محمد المصري ( أحد جيران كينو ) فقد كان ملح المسرحية بخفة دمه واستطاع بأدائه أن يخفف من حدة التوتر الذي سيطر على أجواء بعض مشاهد المسرحية ..
وأما إسلام الخطيب ( احد جيران كينو ) فكان أداؤه سليما ، وهو الوحيد من بين الممثلين الذي لم يخطئ في اللغة العربية سوى خطأ واحد ، وما يعيبه هو الضغط على مخارج الألفاظ بشكل أكثر من اللازم وكان يسكن بعض الكلمات وسط الجمل دون أن يقف .
الديكور :
لم يكن الديكور الذي صممه ( طرزان ) مقنعا ولا يلائم موضوع المسرحية إذ كان منفصلا عن مكانية الحوادث التي تجري في معظمها في منطقة فقيرة بيوتها عبارة عن أكواخ مصنوعة من أغصان الشجر بالقرب من شاطئ البحر ، وبعضها يجري في إحدى المدن المكسيكية في القرن العشرين .
أما الديكور الذي شاهدناه في العرض وهو عبارة عن ستة أعمدة أسمنتية استاتيكية ، جامدة فكان يوحي بجو كنسي وكأن الحوادث تدور داخل كنيسة في إحدى المدن الرومانية القديمة

الأزياء :
كانت الأزياء التي يرتديها كينو مناسبة تنم عن فقره وكآبة الحياة التي يعيشها
أما الفستان الذي ترتديه جوانا فكان غير مناسب على الإطلاق إذ كان فستاناً جميلاً لعروس في ليلة زفافها
الإضاءة :
لم تستخدم الإضاءة في العرض استخداماً سليماً ولم توظف توظيفاً دراميا بما يخدم شخوص المسرحية وحوادثها فكانت عبارة عن إنارة خافتة في معظم مشاهد العرض دون مبرر في بعض المواقف .
الموسيقى التصويرية :
يبدو أن الفواصل الموسيقية المختارة قد اختيرت على عجل دون دراسة متعمقة فلم تعط التأثير المطلوب وخاصة في المواقف التي تعرض لها كينو للاعتداءات المتكررة وفي نهاية العرض بعد أن يلقي باللؤلؤة إلى عرض البحر ..ولم نسمع مؤثرات صوتية كافية لأمواج البحر ولم تستخدم في العرض مؤثرات تنم عن الشر المستطير الذي يسيطر على شخصيتي كينو وجوانا طوال حوادث المسرحية كعواء الذئاب ونعيق البوم والغربان مثلاُ .
وفي الأخير يبقى عرض اللؤلؤة من إنتاج بسمة للثقافة والفنون محاولة تستحق الثناء والشكر فمن يضيء شمعة خيراً ممن يلعن الظلام ألف مرة فمن يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ إنما يخطئ في حق نفسه الأموات وحدهم لا يخطئون
ومن الجدير بالذكر أن بسمة للثقافة والفنون من المؤسسات النشطة والفعالة في مجال المسرح وقد قدمت العديد من الأعمال المهمة ومنها مسرحية جسر آرثر ومسرحية العنب الحامض وهما من المسرح العالمي



[ للخلف ]