مسرحية اللؤلؤة بين التأليف و الإعداد

جاء في المعجم المسرحي للدكتورة ماري الياس والدكتورة حنان قصّاب حسن : " الإعداد بالمعنى الواسع للكلمة هو عملية تعديل تجري على العمل الأدبي أو الفني من أجل التوصل إلى شكل فني مغاير يتطابق مع سياق جديد" .

وفي فقرة أخرى : " التطابق بين العمل الأصلي الذي يتم الإعداد منه والعمل الجديد ليس معياراً إلزامياً لكنه احد المعايير الجمالية التي ينظر من خلالها إلى العمل المعدّ, لان الإعداد يمكن أن يكون قراءة جديدة أو طرحاً جديداً يقول شيئاً مغايراً " .

وبالمناسبة, كلمة إعداد في المسرح والدراما عموماً هي مرادف لكلمة تكييف التي تعني بالانجليزية والفرنسية Adaptation أي تعديل العمل الأصلي ليتناسب ويتكيّف مع الظروف والمعطيات التي يقدم فيها العمل ومع الجمهور الذي يقدم له .

 ولكن ما الموضوع؟ ولماذا هذه المقدمة؟

تعرض حاليا على مسارح جامعات قطاع غزة مسرحية اللؤلؤة من إنتاج مؤسسة بسمة للثقافة والفنون وهي من إخراج : ناهض حنونة، إعداد : خالد خماش عن رواية اللؤلؤة تأليف : الكاتب الأمريكي جون شتاينبك .

لفت نظري مما تم طرحه من ملاحظات وآراء حول المسرحية في النقاش الذي تلا عرض الافتتاح على مسرح المسحال في غزة بين الطاقم والجمهور، طرح موضوع الإعداد والهجوم غير المبرّر على المعد من منطلق المقارنة بين النص الأصلي ( الرواية ) ونص المسرحية الذي تم إخراجه ومشاهدته على المسرح (سأفترض أن الرواية معروفة ولا داعي لتلخيصها حتى لا نطيل) .

لقد أُخذ على المعد أنه غيّر في بعض أحداث وشخصيات الرواية واختصر حجمها وكثّفها كإلغاء شخصية جون توماس أخو كينو الأكبر، وجعل الزوجة جوانا ضعيفة تابعة لزوجها وهي القوية في الرواية، كما أخذ على المعد أنه أخرج كينو البطل في بداية المسرحية سعيداً منتصراً كونه قتل العقرب وتخلص منها وهو لا يعلم أنها لدغت ابنه الرضيع وتفاجأ وانصدم عندما علم، بينما في الرواية يقتل العقرب وهو يعلم أنها لدغت ابنه وعليه طبعاً أن يظهر حزناً لأن سلامة ابنه أهم من التخلص من العقرب، هذا بالإضافة لأشياء أخرى كضعف اللغة بينما لغة الرواية قوية .. وغيره.

الحقيقة لمجرّد أن تجرّأ المعد خالد خمّاش ـ وهو الهاوي في بداياته ـ وأقدم على إعداد مسرحية عن رواية عالمية دسمة بحجم اللؤلؤة، فهو يستحق الاحترام والتشجيع (وليس الإحباط والهدم) وكونها خرجت بهذه الصورة فله منا التقدير، حيث شاهدنا نصاً مكتمل الحكاية واضح المعالم، مبسطاً، منسوجاً من الخيوط الرئيسية للرواية الأم دون تعقيد أو إرباك، وبإمكان أي مشاهد أن يرويها ويلمس مغزاها حتى دون أن يعرف شيئاً عن شتاينبك ولا من هو جون شتاينبك .

ما العيب عند خمّاش كونه حاول أن يعدّ ويكيّف رواية عملاقة كاللؤلؤة لتناسب معطياتنا وظروفنا المسرحية المتواضعة؟

ماذا يضيره كونه حاول أن يحذو حذو الكثير من التجارب العربية والعالمية في مجال الإعداد ؟ و إن أخفق فله أجر ، وإن أصاب فله أجران- وأعتقد أنه أصاب إلى حد لا بأس به باعتباره ليس محترفاً.

يحضرني من التجارب التي ذاع صيتها وقرأنا عنها الكثير, مسرحية "مهاجر بريسبان" للكاتب اللبناني العالمي جورج شحادة التي قدمت في المسرح والسينما مرات عديدة . ففي السينما المصرية قدمت في فيلمين : بنات إبليس , والرغبة والثمن, وفي كل مرة بإعداد مختلف وبيئة مختلفة وتصرّف في شخصياتها الأصلية ومن ناحية اللغة تمت مصرنتها بلهجتين مختلفتين .

ومسرحياً , قدمت كما هي باسم "مهاجر بريسبان" بإضافات إخراجية للمخرج خليل طافش للمسرح الجامعي بدمشق أوائل السبعينيات ، وكتب في الإعلانات "تأليف"

وقدمها مسرح القصبة باسم "المهاجر" بعد أن أعدها جورج إبراهيم وغيّر فيها الكثير وفلسطنها وكتب "تأليف" و"إعداد"

وهذا العام قدمها المعهد العالي للفنون المسرحية – قسم التمثيل بسوريا كمشروع لطلبة السنة الرابعة – بإشراف وإعادة قراءة وإعداد وإخراج مانويل جيجي – ولنرى ما التغيير الذي طرأ عليها وهو مشروع !! , اختصار مشاهد , واستحداث شخصية جديدة لم تكن في النص الأصلي (المهاجر في شبابه) , وتغيير أحداث تغييراً كلياً مثل أن يقوم سيتشو بقتل باربي بدلاً عن بيكالوجيا كما في الأصل وهو الذي قتل زوجته طمعاً في المال مدعياً الشرف .

والأمثلة كثيرة لا مجال لحصرها , والتصنيفات الإبداعية الكتابية معروفة وواضحة , وهناك حدود تحدد ما هو التأليف وما هي الترجمة وما هو الإعداد (على فكرة الإعداد في تاريخ المسرح العربي اخذ أشكالاً وتسميات كثيرة مثل الاقتباس والتعريب والفلسطنة أو المصرنة أو اللبننة .... كأن نأخذ مثلاً حكاية من ألف ليلة وليلة أو كليلة ودمنة ونمسرحها , فهو اقتباس و إعداد وليس تأليف)

فشكراً لخالد خمّاش الذي كيّف لنا رواية اللؤلؤة لتناسبنا ونحن نعلم أنه هاوي وليس محترفاً , وهو يعلم أنه أمام ممثل هاوي قدراته ما زالت محدودة , ومسرحه متواضع المساحة معدوم الكواليس فقير التقنيات ، وجمهوره غير معتاد المسرح العالمي واللغة الفصحى . وضمن هذه المعطيات , وبهذه الخلفية , عمله ليس سيئاً ولا يستحق هذا الهجوم القاسي الهدّام .

أما عن العرض المسرحي ، فهو تجربة تقدّر وتحترم وتثمّن لمؤسسة بسمة للثقافة والفنون التي أخذت على عاتقها رفد الوسط المسرحي ـ بكل ما تملك من قدرات ـ بعروض المسرح العالمي مع التركيز على اللغة العربية الفصحى رغم صعوبتها ، فهي التي قدمت العنب الحامض ، وهي التي قدمت الجسر ، وكلتاهما من المسرح العالمي وللمخرج خليل طافش .

هذا لا يمنع الحديث عن بعض الهفوات والسلبيات التي وقع فيها العمل من الناحية الفنية إخراجاً وتمثيلاً وإضاءة وموسيقى وديكور ، فهي كأي عمل فني ، له ما له وعليه ما عليه .

إخراجاً ، أعتقد أنه من أهم الأخطاء التي وقع فيها المخرج ناهض حنونة هي تحمله لمسئولية الإخراج وتمثيل الدور الأول في المسرحية (كينو) في نفس الوقت ، أعتقد أنها مسئولية فاقت قدراته مما أربكه في توزيع ذاته بين متابعة الممثلين وتوجيههم وبين التركيز في أداء الشخصية التي يجسدها ولا سيما أنها باللغة العربية الفصحى ومليئة بالانفعالات والصراع وتتطلب قدرات تمثيلية عالية .

نجح المخرج في استخدام الفراغ المسرحي استخداماً جيداً من حيث ملء المساحة والتوزيع والحركة، فقد جاءت مريحة للبصر وممتعة كلوحات متوازنة وإن كان فيها بعض الخلل في استغلال مناطق القوة والضعف في جغرافيا الخشبة .

يحسب لصالح المخرج تمكنه من الانتقال من مشهد لآخر في المسرحية رغم تعدد المشاهد وكثرتها ، فقد وصل للمتفرج الأماكن التي تدور فيها الأحداث ـ منزل وباحة منزل كينو وجوانا ، بيت الطبيب ، الكنيسة ، سوق التجار ، الغابة ، البحر... لم يكن هناك صعوبة في فهم ذلك .

بالإضافة للأخطاء اللغوية التي ارتكبها الممثلون ، كان هناك أخطاء تمثيلية من حيث الاستلام والتسلم في الحوار بين الممثلين وخروج الممثل من شخصيته لحظة صمته خاصة عند جوانا ، هذا ناهيك عن الخلل في مخارج الحروف والتلوين في الأداء الذي كان بالإمكان أن يكون أفضل .

ما يغفر للعمل ككل ، أن الفكرة وصلت كاملة والرواية فهمت ، والجمهور تفاعل بشكل جيّد وتمتع ، خصوصاً طلبة الجامعات في العروض المستمرة حالياً ، يبدون إعجاباً كبيراً حسب نماذج الاستبيان التي توزع على الجمهور لملئها بعد كل عرض .

كل التحية لمؤسسة بسمة للثقافة والفنون ، وكل الشكر لها ولطاقمها المسرحي على مثابرته وكفاحه على سبيل حركة مسرحية واعية ملتزمة جادة صادقة .


صلاح طافش




[ للخلف ]