نهضة ثقافية شاملة

تأسيس ؟ .. تطوير ؟ .. أم إعادة أعمار ؟

من تراجيديات السياسة والتاريخ التي عاشها وقرأ عنها العالم ، قصة ما حل بالهنود الحمر الذين على جماجمهم وجثثهم قامت أمريكا و(حضارتها) ، فقد تمت إبادة عشرات الملايين منهم بطرق بشعة ولم يتبق منهم إلا عدد قليل احتار فيه (أبطال) الغزو والاستعمار بعد أن فاحت رائحة الجريمة في العالم ، مما اضطرهم لوقف عملية الإبادة الجسدية . فاهتدت العقول الذكية في القيادة الغازية الاستعمارية إلى حل يجهز على بقية الهنود دون قتل أو سفك دماء : أقتلوا هنديتهم .. أقتلوا إنسانيتهم ودعوهم يعيشون !!!
التجربة الآن تتكرر مع الشعوب المقهورة بثوب جديد برّاق جذّاب .. إن ما يتعرض له العالم ـ ونحن جزء منه ـ ما هو إلا قتل لإنسانية الإنسان أينما وجد ، قتل لانتمائه الوطني والاجتماعي ، تشويه لمعتقداته ، قلب للمعايير التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية . هجوم شرس بالآلة الإعلامية والفنون يستهدف القيم ويشوه الذوق العام ، يسرق التراث ويعطي تعريفات جديدة جوفاء فارغة لمصطلحات كبيرة : حقوق الإنسان ـ حقوق المرأة ـ الإبداع ـ الثقافة ـ التربية .... إلخ ، وذلك بما يتناسب والمصالح الاستعمارية ويحقق التبعية والخنوع والجهل للشعوب التي تشكل قلقاً وخوفاً وفي نفس الوقت هدفاً لعالم طفيلي يتطفل على خيرات الآخرين .
والشعب الفلسطيني جزء من هذه الشعوب المقهورة ، وهو ضحية مثلها لهذا التدمير التربوي والأخلاقي والثقافي والتعليمي الذي يمارسه العالم تحت مسميات الحضارة والمعاصرة والحداثة والرقي ، بسلاح المال والإعلام والفنون المزيفة .
والملاحظ بوضوح أن جل الأموال والبرامج المخصصة من العالم الرأسمالي إلى العالم الثالث النامي موجهة لمشاريع ذات علاقة بصياغة العقل البشري وتكوين الشخصية وتأسيسها تربوياً وثقافياً ، لذا نجدها مركّزة على الطفل والمرأة وقليل منها للكبار ، والخطر الأكبر يتمثل في أن تلك المشاريع لا تنفذ إلا بأيدي محلية غير مؤهلة ولا ذات علاقة في الوقت الذي يتم فيه تهميش من هو كفؤ مؤهل وذا تجربة ، وللأسف في ظل غياب شبه تام للمؤسسة الرسمية سواء في التنفيذ أوالإشراف والمتابعة والتقييم خاصة في المشاريع الإعلامية الفنية الجماهيرية كالمسرح والسينما والتلفزيون ، هذا إلى جانب التقصير الكبير أصلاً في عمل المؤسسات الرسمية العاملة في المجال الثقافي الفني والتربوي والتعليمي منذ تأسيس السلطة حتى يومنا هذا ، تقصير في جانبين يكملان بعضهما البعض :
أولاً ـ اعتمدت تلك المؤسسات على كادر بشري غير مؤهل للعمل الثقافي الفني والتربوي ، وقد يكون مؤهل في مجالات أخرى ليست ذات صلة ، وبالتالي يتصف بالصدق والإخلاص للعمل لكنه غير قادر على العطاء والإبداع في مجاله ، والحصيلة .. دوائر عقيمة مكبلة وجودها يساوي عدمه .
ثانياً ـ لم تلتفت المؤسسة الرسمية إلى قضية إنتاج الثقافة ولم تضعه ضمن برامجها ولو حتى بالشراكة مع المؤسسات الأهلية ، ولم نلمس اهتمامها بنوعية ومستوى ما تقدمه تلك المؤسسات وخصوصاً المدعومة أجنبياً ، ولا حتى بمن هم القائمون على النشاطات فيها وما هي حقيقة أهدافهم .
إذاً .. الضوء الأحمر يتوهج معلناً خطراً حقيقياً قادماً قد يكون بدأ فعلاً ، المجتمع أصبح تحت تأثير عملية تجهيل ثنائية المصدر :
// مصدر موجه مقصود يتمتع بتمويل دولي غزير ، يهدف لإعادة صياغة الإنسان والتحكم بالرأي العام ، ينشر ثقافة بمعاييره هو ، ثقافة اللاثقافة تضمن هشاشة الانتماء الوطني والتفكك الاجتماعي وطمس التراث وتشويه التاريخ ، ونشر مفاهيم وأفكار غريبة تهزأ بالعادات والتقاليد والأصالة ، وتفتح المجالات للموهومين (بالميم) ولأشباه الموهوبين في شتى التخصصات الإبداعية : مسرح . سينما . أدب وشعر . فنون تشكيلية . صحافة ونقد ... وغيرها ، فيخرج نبتاً صحراوياً لا أساس له ولا تاريخ ، لا يقدّم بل يؤخر ويشوّه الذوق العام ويحرف مسارات التربية السوّية ، عطاء بدعم مالي سخي لفئة فاقدة للشيء.. وفاقد الشيء لا يعطيه .
// المصدر الثاني مصدر رسمي محلي سلبي في مواقفه تجاه الثقافة ، لا يعيرها الاهتمام الكافي ولا هي ضمن أولوياته ، ما هي إلا مجموعة يافطات وعناوين مكبّلة غائبة هزيلة بموازناتها ، وبالتالي تمارس التجهيل من حيث لا تعلم بفتحها المجال للمؤسسات غير المؤهلة وعدم التفاتها للكفاءات في الداخل والخارج ، إنها مؤسسات حقيقة لا تهدم ، لكنها لا تبني ولا ترى أهمية ودور للثقافة والفنون في حياة المجتمع ووعي المجتمع وتطوره . فالثقافة والفنون هما من أكفأ الأدوات وأقواها على إعادة بناء ما تدمره السياسة والحروب وعلى علاج الكثير من القضايا الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وغيرها .
إن المشهد الثقافي الفلسطيني الحالي ـ وخاصة في قطاع غزة ـ مشهد مرتبك غير واضح المعالم ، اختلط فيه الحابل بالنابل ، تنحى فيه المثقف وساد المدعي ، غاب المثقف الحقيقي وبرز المزيّف في الميدان ليؤثّر في مجتمع يعاني كمجتمعنا . ثقافة تقدمها مؤسساتنا الثقافية لا تنسجم مع لغتنا وهويتنا وموروثاتنا وتربيتنا وذوقنا الجمالي ، لا ترتقي لمستوى عظمة هذا الشعب وعقيدته وقيمه وأخلاقياته ووطنيته وتاريخه الإبداعي!! بالتأكيد لا ،،
وحتى نعيد للمشهد الثقافي الفلسطيني إشراقه ليعود منافساً حقاً في العالم العربي ، مبدعاً في شتى المجالات : هل نؤسّس من جديد لنهضة ثقافية شاملة ؟
أم نطور مشهداً قائماً يمتلك الأرضية القادرة ؟
أم أننا نعيش حالة تدمير ثقافي تربوي يحتاج إلى إعادة إعمار ؟
إننا بحاجة لرسم سياسة ثقافية قادرة على مقاومة هذا التيار المدمّر للمشهد الثقافي ، لإعادة الاعتبار لإنسانية الفرد الفلسطيني وقيمه وتربيته ، سياسة تفعّل دور المثقف الحقيقي ، دوره الطبيعي في مجتمعه وإسقاط كل الشوائب التي تشوّه المشهد الثقافي وتحرفه عن مساره السويّ . والمسئولية الرئيسية والأولى في ذلك تقع على عاتق صاحب القرار الذي عليه أن يضع الثقافة ضمن أولويات الدولة ويسمو بها فوق أي اعتبار سياسي لبناء الإنسان الفلسطيني الذي تشتّت وتمزّق بتأثير التناحرات السياسية والمؤثرات الخارجية الموجّهة التي وجدت الأرض الخصبة لتترعرع .
المسرح والسينما على وجه الخصوص :
في الوقت الذي انعدمت فيه تقريباً عادة القراءة لدى الجمهور عموماً ، تعتبر الفنون الجماهيرية (المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة) من أقوى وسائل التثقيف والتربية والترفيه وأكثرهم جاذبية وإقناع وتأثير . لذا من المهم جداً تفعيل هذه الفنون والارتقاء بها إلى مستوى الاحتراف ، خاصة المسرح منها الذي يتخبط في أيدي الهواة بشكل عشوائي غير مدروس ويراوح مكانه منذ مدة طويلة ولم يتقدم خطوة واحدة رغم أن غزّة عرفته قبل العديد من البلاد العربية ، وبما أنه ـ المسرح ـ يعتبر ترمومتر مستوى الثقافة والوعي والرقي ، فلابد من بعثات تعليمية لرفد الوسط الفني بالأكاديميين المتخصصين لبناء قاعدة إبداعية جادة ملتزمة بقضايا المجتمع على أسس علمية ، والكف عن الاعتماد على الهواة فقط مع كل الاحترام لمحاولاتهم واجتهاداتهم .
لابد من جهاز رقابة على المصنفات الفنية ، لا علاقة له بحرية الرأي ، يكون قادراً على تصنيف العمل الفني على قاعدة المستوى الفني والفكري ، وذلك لحماية الذوق العام والحس الجمالي عند الجمهور وضمان صحة المعلومة التي يحملها العمل الفني خاصة فنون الطفل التي تهدف بالدرجة الأولى للتربية والتنمية البشرية .
السادة أصحاب القرار : ضعوا المسرح والسينما والثقافة عموماً ضمن أولويات التخطيط والبناء في الدولة ، ففكرة دعم الثقافة فكرة جيدة لكنها لا تكفي ، لابد من إنتاج الثقافة والفن .
إن مهمة مقاومة الغزو الثقافي والتجهيل للمحافظة على ثقافتنا وهويتنا ولغتنا وتراثنا لهي مهمة كبيرة وشاقة ولا تقل أهمية عن مقاومة محتل وعدو لاسترجاع الحقوق ، فتحرير الأرض مرتبط بتحرير الإنسان ولا يقل عنه أهمية ، وبناء دولة يعني بناء الحجر والبشر في ذات الوقت .

صلاح طافش




[ للخلف ]