اختتمت بسمة للثقافة والفنون مشروع رائعة

غزة - إختتمت جمعية بسمة للثقافة والفنون اليوم الأربعاء مشروع "دعم إنتاج عمل مسرحي لإحدى أعمال النصوص المسرحية للكاتب السوري الراحل "سعدالله ونوس" بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان – منحة القطان للفنون الادائية 2018 ؛ عروض مسرحية "الملك هو الملك" والتي يدور أحداثها أساساً حول "لعبة" تتخذ أبطالها من واقع سياسي سيء، حيث تحكي قصة ملكٍ متسيّبٍ أهمل رعيته وسخّر حكمه لخدمة مصلحته لا غير، فيُحضر هو ووزيره تاجرًا مُفلسًا من عوام الناس يُمضي وقته في الخمرة والهذيان، ويحلم أن يغدو يومًا ملكًا. ليقرر الملك أن يلبسه ثيابه ويجعله ملكًا ليوم واحدٍ حتى يدخل السرور إلى قلبة في لعبة غير اعتيادية. ولكن الجميع يتصورون أن التاجر هو الملك حتى الملكة وحراس القصر. ويكتشف التاجر مؤامرة لقلب الحكم عليه في ذلك اليوم مما يرسخه أكثر فوق كرسيه ويجد الملك نفسه ضحية اللعبة الترفيهية.<br />
<br />
وتحدث مخرج المسرحية الفنان ناهض حنونة، معتزًا بالعمل قائلاً:"الجمهور بحاجة لأحدٍ يحاورهُ ويفتح عينيه على نقاط ضعفه، وهذا يحاور المجتمع من خلال نصٍ يسلّط الضوء على واقع سياسي سيء يكشف تجربةً عميقةً بين الحلم والواقع..". وتابع: إن الناس يخافون التغيير، فليجأون إلى عيش تلك التفاصيل في أذهانهم..<br />
<br />
في حين قال الأستاذ ماهر داود، كاتب وناقد واستاذ اللغة العربية في جامعة الأقصى، إن جمعية بسمة للثقافة والفنون تعيد التاريخ بواقعه المعاصر. عندما دخلنا عالم مسرحية الملك هو الملك والتي عرضت على خشبة المسرح في قطاع غزة، وجدنا أنفسنا أمام بنيان عظيم مُبهم، وقفنا طويلاً للخروج من ثناياه ودلالاته ورموزه، فالأفكار التي تعالجها المسرحية ليست بريئة، بل تخرجنا لعوالم ومعاني كثيرة، مثيرة، تكشف الاستخفاف الحاصل للشعوب المسحوقة " التي يلوك قلبها الفقر"، والأكثر سخرية هو أن الملك بكل جلالته وعظمته ما هو إلا رداء وتاج ليس حكراً على أحد دون الآخر، فالفكرة الأساسية في كيفية التعامل مع قلب معايير الحكم، فالشخوص ليست هي اللاعب الأساسي على خشبة المسرح بقدر ما كان النص حاضراً بشكله القوي والملاحظ ووقعه في نفوس الحضور قوياً، الربط الذي جعل المشاهد والنص ينصهران في مجموعة من الأخيلة وتعدد المواقف، فاللغة التي استخدمت في العرض هي البطل، وكان التحدي واضحاً أمام معد النص المسرحي عبد الفتاح شحادة في كيفية إعداده النص بما يلائم واقع المجتمع الذي نعيش، فمن أين امتلك الجرأة على تحويل مسرحية سياقها مبني على أساس الدراما داخل الدراما " مسرحية داخل مسرحية" وتحويلها للعبة مزاجية أرداها الملك فانقلبت على رأسه، فالإعداد إجمالاً لعبة محيرة ومساحة واسعة ليست بعيدة عن التأليف فكل الكتابات هي الكتابة، فاللعبة الحقيقية هي الشعور الجمعي، وفي كيفية استخدام لغة رشيقة تستخدم ألفاظ ليست عربية صرفة صارمة، وهذا ساعد على إنتاج نص فيه حكاية لطيفة ذات بعد فكري، بالإضافة لتحقيق جانب من التشويق والابتعاد عن الشعور بأن الشخوص تمثل بقدر ما هي حقيقية تعكس واقعاً حقيقياً. المسرحية اعتمدت على الاستباق والاسترجاع الزمني، فكثير من الوسائل الاخراجية التي اتبعها المخرج المسرحي الفنان ناهض حنونة، ما هو مباشر كالديكور والأزياء، وشكل المكان والأثاث، وشكل الإضاءة التي تدل على أن الحدث مرتبط بمسرح أحداث وقعت في الماضي، ولكن الدور الذي احتاجه المخرج ليس سرد وقائع تاريخية حدثت في زمنها، بقدر ما كان الهدف من السرد التاريخي هو إيقاظ الوعي بالحاضر، وانعكاس لرؤية واقعية معاصرة، تُشكل ثيمات العصر الحالي.<br />
<br />
اما الأستاذ محمد نصار الروائي والقصصي فقال سعدنا بوجود سعد الله ونوس بيننا، كان لقاءً مميزا بكل ما تعني الكلمة من معان وكان الاحتفاء به كبيرا، يليق بهذه القامة الأدبية الشامخة، فالشكر كل الشكر لمن ساهم في الإعداد لهذا اللقاء النوعي ، شكرا للمخرج ناهض حنونة على ما بذل من جهد في إخراج هذا العمل النوعي وتقديمه للجمهور في غزة بهذا الرقي والتميز والشكر للفنان القدير سامي ستوم على أدائه الرائع والمميز وكذلك الشكر موصول للأخت الفنانة ريهام فتحي على الأداء الرائع والتلقائية المبهرة وكل الشكر للفريق المسرحي المشارك لما بذلوه من جهد أكد أن لدينا طاقات فنية مبهرة، ولا نسى الشكر العظيم لداعمي مثل هذه الأعمال مؤسسة عبد المحسن القطان.<br />
<br />
وعقب الشاعر وليد العقاد ما زلت أراهن على غزة، وما زلتُ أحبها، ليس لأنها جميلة وحسب، بل لأن فيها الحياة، الحياة التي ترفض الموت بشدة. تجمهر الناس في قاعة المسرح لتحجز مقاعدها، تابعتُ بسعادة هذا المشهد الغير محتسب من المسرحية، هذا الحرص الشديد، زرع في قلبي سعادة غامرة، وثقة بهذا الجمهور الواعي والمثقف. امتلأ المكان بالحضور، وسيطر على المشهد حالة من الصمت، ليبدأ العرض المسرحي، وتقرع موسيقى البداية. مسرحية الملك هو الملك تطرح فكرة عميقة وجريئة في آن، تناولت السلطة كيف تؤثر على الشخص وعلى الرعية وكيف تمارس تلك الرغبة آلاعيبها على الشخص فتُذهب بعقله وتنزع مشاعر قلبه. أعجبني التغير السلوكي في الشخصيات والتحول المتسلسل في أحداث المسرحية والتنقلات النفسية للممثلين الذين تفوقوا على أنفسهم فأتقنوا الأدوار واللغة العربية الفصحى، لتثري عقولنا وتمتع آذاننا. "أعطني رداء وصولجانا أعطيك ملكا". ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني، نستخلص منها أن المُلك ما هو إلا صولجان يُعلق على الرأس ورداء مزركش، يغير بهما المالك رؤية الرعية وأفكارهم، بذلك الاسم فقط يجعلهم يخافون ويأمنون، يجوعون من الفقر، أو يشبعون من الحرمان. كنتُ سعيدًا بالعرض، وسعدتُ أكثر عندما رأيت أصدقائي الذين شاركوني الشغف.<br />
<br />
ومن جانبه تحدث الكاتب عزيز سالم، بصراحة العمل كان رائع جدا، ونحن بحاجة إلى المسرح والفن والتمثيل والذي نفتقده في ساحاتنا الفنية ، كنت أتمنى لو كان هناك مؤسسات أو معاهد أو حتى في الجامعات يتم فيها تدريس المسرح والإخراج والتمثيل بشكل عام ، فالمسرح يعتبر مرآة صافية تعكس واقع المجتمع من خلال ما يقدمه من عروض مسرحية نصوصها تستند للواقع الذي يعيشه المجتمع فتقتبس منه الكثير من الأحداث والوقائع ليتم تجسيدها إلى عروض مسرحية مختلفة تهدف لتسليط الضوء على واقع المجتمع سواء كانت أعمال كوميدية أو تراجيدية.<br />
العمل المسرحي كان باللغة العربية الفصحى ونحن بأشد الحاجة إلى أن ننجز مسرحاُ عربياً يشبهنا ويشبه قيمنا ومشاكلنا وأحلامنا ومخيلاتنا اليومية ، الثمثيل والمسرح والفن أشياء عظيمة ودائماً تحمل معها رسائل وأهداف كثيرة وبشكل عام المسرحية كانت رائعة نصاً وأداءاً وإخراجاً، في هذا العرض يقدم سعد الله ونوس عملاً مسرحياً ذو قدرة عالية على تجاوز الممكن إلى ما هو أبعد من الكوميديا وأشد سواداً من التراجيديا ، ويعري ذواتنا أمام مرآة عظيمة لا يمكننا تجاهل بريق صورتنا وأوهامنا فيها ، فالملك لم يكن هو الملك ، وكل ما في الأمر لا يعدو سوى سلطة الكرسي ورهبة الرداء وقدرة الصولجان الوهمية على خلق شخصية ملك من عمق صعلوك ، فيصبح الصعلوك ملكاً في طرفة عين ، يمارس أبشع أدوات السلطة على نفسه وشخصيته السابقة. وفي هذا العمل المسرحي تنتقم الشخصيات من ذاتها ، وتصاب بالعمى الكلي في حضرة صاحب السلطة وكأن السلطة والمال والنفوذ يصيبان الناس بالعمى على مختلف تصنيفاتهم الإجتماعية والإقتصادية ومرجعياتهم الفكرية والثقافية.<br />
<br />
وأشار تامر العجرمي، مدير المشروع أن هذا المشروع يهدف إلى زيادة إهتمام المجتمع للثقافة والحوار والتفاعل مع المسرح من خلال تطوير القدرات الفنية في مجال الأداء المسرحي وتنمية المواهب الشابة من كلا الجنسين. كما، أكد العجرمي على ضرورة نشر ثقافة ارتياد واحترام المسرح رغم كل الظروف الصعبة التي تعصف بالمجتمع المحلي. كما وأثنى العجرمي على مؤسسة عبد المحسن القطان لحرصهم على دعم الثقافة والفنون في فلسطين من خلال المنح التي يقدمونها للمؤسسات الفلسطينية والتي تحافظ على الهوية الفلسطينية وتدعم صمود مؤسساته وتعزز الحركة الثقافية في قطاع غزة.<br />
<br />




[ للخلف ]